ابن بسام
242
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وله من أخرى في مثله : محن الدنيا - وسّع اللّه لاحتمالها ذرعك ، وأنّس في إيحاشها ربعك - ضروب ، ولسان العبر بها خطيب ، ونوائبها أطوار وفنون ، ومصائبها أبكار وعون ، والمرء غرض لأخياف سهامها ، ومعرض لاختلاف أحكامها ، فإن أخطأه منها صائب الحمام ، وتخطّاه واثب الاخترام ، رشقته بنبل أرزائها ، وطرقته بمعضل أدوائها ، / وعرقته بعصل أنيابها ، وأشرقته بمرّ شرابها ، وأودعته من صنوف التصاريف آلاما « 1 » وأوصابا ، وجرّعته من فراق الأحبّة صبرا وصابا ؛ فمن فهم معاني صروفها فهمك ، وعجم عود خطوبها « 2 » عجمك ، لم يتضعضع منه لصدمتها « 3 » جلد ، ولا تروّع له عند ظلمتها خلد ، ولا شقّت لصبره في مآتمها « 4 » جيوب ، ولا طار بقلبه في ملاحمها وجيب ، بل وجدته مشيّع « 5 » الجنان ، ثابت الأركان ، متهلل الجبين ، مشرق اليقين ، متّسع الجوانب ، لزحام النوائب ، مستقلّ الكاهل ، بأعباء النوازل . فلئن نفذ القدر بوفاة من كنت تأنس « 6 » بحياتها ، وتيمّن على القرب والبعد بيمن صلاتها وصلاتها ، وتضاعف الوجد بما افترق من فرقة المنون ، وحرقة [ 62 ب ] النّوى الشّطون ، وانتظم من شحط المزار ، ونفوذ حتم المقدار ، ففي تجلّدك لتحامل الخطبين محتمل ، ولتصبّرك في سوم الخطّتين تصرّف وعمل ، وبجسيم عظيم المصاب ، وكرم الاحتساب ، يكون حسن الثواب ، ويمن المآب ، فللرزايا قيم وأثمان ، وللحسنات في موازنتها « 7 » خفوف ورجحان ، فلا تمكّن من يد الجزع مقادك ، ولا تسكن زفرة الأسف فؤادك ، واعتصم عند الصّدمة الأولى بعروة الصبر / الوثقى ، وتجنّب ما يقدح في كرم النّصاب ، ويقبح عند ذوي الألباب ، واحتسب فقيدتك - قدّس اللّه روحها ، وأنّس ضريحها - حديقة أنس ، نقلت إلى جنّة قدس ، وذخيرة إيمان ، ضمّنت أكرم صوان ، ولا تذهب نفسك حسرات ، ولا يتدارك نفسك زفرات :
--> ( 1 ) ط س ل : آمالا . ( 2 ) م : خطبها . ( 3 ) م ط س : لصدمها . ( 4 ) م : لعبرة نمائمها ؛ س : مأتمها ؛ ل ك : لعبرة مأتمها . ( 5 ) المشيع : الشجاع لأن قلبه لا يخذله . ( 6 ) زاد في ط د : به . ( 7 ) ط م س ل : موازنها .